ابن أبي الحديد
260
شرح نهج البلاغة
مفاجأة المكروه ، ومباشرة الأهوال ، فيفر من الفراش ، فيفطن لموضع الحيلة ، ويطلب رسول الله صلى الله عليه وآله فيظفر به . ومنها انه وإن كان ضابطا للسر ، شجاعا نجدا ، فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش ، لان هذا أمر خارج عن الشجاعة إن كان قد قامه مقام المكتوف الممنوع ، بل هو أشد مشقة من المكتوف الممنوع ، لان المكتوف الممنوع يعلم من نفسه انه لا سبيل له إلى الهرب ، وهذا يجد السبيل إلى الهرب والى الدفع عن نفسه ، ولا يهرب ولا يدافع . ومنها انه وإن كان ثقة عنده ، ضابطا للسر ، شجاعا محتملا للمبيت على الفراش ، فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة ، والعذاب النازل بساحته ، حتى يبوح بما عنده ، ويصير إلى الاقرار بما يعلمه ، وهو انه اخذ طريق كذا فيطلب فيؤخذ ، فلهذا قال علماء المسلمين إن فضيلة علي عليه السلام تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها ، الا ما كان من إسحاق وإبراهيم عند استسلامه للذبح ، ولولا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة على أعظم ، لأنه قد روى أن إسحاق تلكأ لما امره أن يضطجع ، وبكى على نفسه ، وقد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفه ، ولذلك قال له ( فانظر ماذا ترى ) ( 1 ) وحال علي عليه السلام بخلاف ذلك ، لأنه ما تلكأ ولا تتعتع ، ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه ، ولقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به ، وتقدم فيه فيتركه ويعمل بما أشاروا به ، كما جرى يوم الخندق في مصانعته الأحزاب بثلث تمر المدينة ، فإنهم أشاروا عليه بترك ذلك فتركه ، وهذه كانت قاعدته معهم ، وعادته بينهم ، وقد كان لعلى عليه السلام أن يعتل بعلة ، وان يقف ويقول يا رسول الله ، أكون معك أحميك من العدو ، وأذب بسيفي عنك ، فلست
--> ( 1 ) سورة الصافات 102 .